محمد بن وليد الطرطوشي

230

سراج الملوك

لموضعه من الولاية عليهم ، وكلّما نقص منهما قرب من السّوقة . وقال المأمون : إني لأجد لعفوي لذّة أعظم من لذّة الانتقام . واعلم أنه : إذا عاقب الملك أو أهان على ظنّ بغير يقين ، أدخل على نفسه من قبح الخطأ في الرأي ، أعظم مما أدخل على صاحبه من العقوبة . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الغالب بالشّر مغلوب ، وما ظفر من ظفر بالإثم . وقيل لأفلاطون : أيّ شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى ؟ فقال : الإحسان إلى الناس . وقال الحكيم : الحلم فدام « 1 » السفيه ، والعفو زكاة العقل . وقال الحكيم : السيد ، الذي لا يشين حسن الظّفر بقبح الانتقام ، وخير مناقب الملوك العفو . وكان يحيى بن معاذ « 2 » يقول : سبحان من أذلّ العبد بالذّنب ، وأذل الذنب بالعفو . . . إلهي إن عفوت فخير راحم ، وإن عذّبت فغير ظالم ، إلهي ، إن كنت لا ترضى إلا عن أهل طاعتك ، فكيف يصنع الخاطئون ، وإن كان لا يرجوك إلا أهل وفائك ، فبمن يستغيث المستغيثون ؟ ! . وقال الشاعر : وإنّ اللّه ذو حلم ولكن * لعزّ الحلم ينتقم الحليم وروي أن الحجاج أخذ أخا قطري بن الفجاءة « 3 » ، فقال : لأقتلنك . قال : ولم ؟ . قال : لخروج أخيك علي . قال : فإن معي كتاب أمير المؤمنين ، أن لا تأخذني بذنب أخي . قال : هاته . قال : إن معي أوكد منه ، قال الله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ فاطر : 18 ] فتعجب من جوابه وخلى سبيله .

--> ( 1 ) فدام : مصفاة أو خرقة توضع على فم الإبريق ليصفى بها ما فيه أي أن الحلم يسد فم السفيه ويسكته . ( 2 ) يحيى بن معاذ الواعظ الزاهد ، لم يكن له نظير في وقته ، أقام ببلخ ومات في نيسابور سنة 258 ه ( وفيات الأعيان 6 / 165 ) . ( 3 ) قطري بن الفجاءة : في ( ط ) أخذ قطري وهذا ( خطأ ) والصواب أنه أخذ أخا له : من رؤساء الخوارج وأبطالهم ( من أهل قطر ) واسمه جعونة بن مازن المازني التميمي ، كان خطيبا فارسا شجاعا وشاعرا ، قاتل في العراق مصعب بن الزبير وقاتل جيش الحجاج لمدة ثلاث عشرة سنة ، والحجاج يسير إليه جيشا بعد جيش وهو يردهم ، ولما قتل جيء برأسه إلى الحجاج سنة 79 ه .